ولم تكن مجالس الشورى والمظالم والرقابة على العمال مؤسسات منفصلة بصورتها اللاحقة، بل كانت ممارسات متداخلة يقوم بها الخليفة والولاة والقضاة والوجهاء. وقد يرفع صاحب الشكوى أمره إلى الخليفة مباشرة، أو يحتكم إلى قاض، أو يطلب تدخل كبار الصحابة، بينما تتغير النتيجة بحسب المكان ومكانة الخصوم وقوة الوالي، ولهذا يثبت أصل الرقابة المركز ية الناشئة دون وصفها بجهاز بيروقراطي كامل.
وكان عزل العامل أحد وسائل إدارة الدولة، لكنه لم يكن في كل مرة حكما بثبوت خيانة أو اختلاس؛ فقد يعزل الوالي بسبب شكوى سياسية، أو بسبب تغير ظروف الجبهة، أو رغبة الخليفة في إعادة توز يع الولايات، أو لأن بقاءه صار يثير خصومة محلية. ولذلك يجب فصل واقعة العزل عن واقعة مصادرة المال، فلا يجعل كل معزول متهما، ولا تفسر كل مصادرة مزعومة بأنها حكم قضائي نهائي.
ومن أشهر الأخبار في هذا الباب قصة أبي هريرة حين عمل على البحرين، إذ تذكر الروايات أن عمر استدعاه وسأله عن مال ظهر معه بعد الولاية، وتختلف الأخبار في مقدار المال وفي ألفاظ السؤال والجواب وفي طبيعة الإجراء الذي اتخذ بعد ذلك. وتدل القصة، إذا قبل أصلها، على حساسية الخليفة تجاه تغير أموال العامل، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم قطعي على أمانة أبي هريرة، كما لا يصح إسقاط رواية جدلية متأخرة على الواقعة دون مقارنة طرقها وسياقها.