وكانت هراة ونيسابور وطوس ومرو وبلخ مراكز مختلفة في البنية والموضع والدور، فبعضها مدينة ذات أسواق وزراعة، وبعضها عقدة طريق أو مركز حكم، وبعضها متصل بإقليم أوسع من المدينة نفسها. وتذكر الروايات صلوحا وفتوحا عنوة وتجددا للقتال بعد الصلح، وهو ما يبين أن دخول المدينة في عهد لا يساوي بالضرورة استقرار الحكم في الر يف والجبال، كما أن دفع المال لا يعني تحول السكان الديني أو الثقافي في الجيل نفسه.
وظل يزدجرد الثالث يمثل بقايا الملك الساساني في الذاكرة السياسية، فتنقل بين أقاليم الشرق وطلب العون من الحكام المحليين ومن القوى الواقعة وراء خراسان، غير أن وجوده لم يكن دليلا على بقاء إدارة ساسانية موحدة في كل البلاد. وكان مطاردة الملك جزءا من الصراع على الشرعية والرمز، بينما استلزم إخضاع المدن والطرق والقرى إجراءات عسكر ية ومالية مختلفة، ولذلك يجب التمييز بين سقوط مركز سياسي، وبين السيطرة اليومية على إقليم واسع.
وتؤرخ بعض الروايات بدايات هذه الحملات بأواخر عهد عمر، بينما تجعل روايات أخرى الفتح المنظم أو إعادة الفتح في عهد عثمان، كما أن مقتل يزدجرد في مرو سنة 651م بحسب الرواية الأشهر يقع بعد وفاة عمر بسنوات. ومن ثم لا يصح إدخال كل ما وقع بين 642و651م في سجل خلافة عمر، بل تفصل المرحلة الأولى عن الحملات التي استؤنفت أو توسعت بعد مقتل الخليفة، وتفصل السيطرة العسكر ية عن استعمال النقود والأطر الإدار ية الساسانية التي استمرت في الشرق مدة بعد بدء الفتح.