وكان فتح الجزيرة ذا أثر عسكري وإداري؛ فقد أضعف خطوطا بيزنطيةكانت تصل الشمال بالشام، وفتح طرقا جديدة بين العراق والشام والحدود الجبلية، لكنه أوجد في الوقت نفسه إقليما واسعا يحتاج إلى حاميات وعهود وولاة وكتبة. ولم يكن انتقال المدن إلى الحكم الإسلامي متساويا في الثبات، فقد تتجدد مقاومة محلية أو تعود حامية بيزنطية أو يعاد التفاوض على المال، ولذلك يثبت السرد أصل دخول المدن في نطاق الفتح مع بيان أن تثبيت السلطة كان عملية لاحقة.
ومن الجبهة الفارسية اتجهت الحركة شرقا إلى خراسان، وهي تسمية تار يخية لا تطابق حدود دولة حديثة، بل تشمل أقاليم واسعة وراء جبال فارس وبلاد الري إلى مرو وبلخ وما يتصل بها. وكانت هذه البلاد مختلفة عن العراق في جغرافيتها ومسافاتها وشبكة مدنها، فكان الجيش يحتاج إلى طرق طويلة وإلى اتفاقات مع حكام محليين وإلى معرفة بالأنهار والواحات والممرات، ولم يكن سقوط المدائن ونهاوند كافيا وحده لإخضاع الشرق.
وتختلف الروايات في بداية التوسع الخراساني وفي ترتيب المدن، كما تختلف في الفصل بين حملة الأحنف بن قيس وحملة عبد الله بن عامر. وتنسب الأخبار إلى الأحنف تحركا نحو هراة ثم مرو الشاهجان ومرو الروذ، بينما تربط أخبار أخرى عبد الله بن عامر بمسارات قادمة من فارس والري، وتذكر نيسابور وطوس وقهستان وبلخ في ترتيب غير متفق عليه، ولذلك لا تتجمع هذه الوقائع في حملة واحدة ولا تنسب كل مدينة إلى قائد واحد من غير نسبة الرواية.