معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 91 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 91

أما العلاقة بين المسلمين والقبط فلم تكن صورة واحدة، فقد وقعت تفاوتات بين الأقاليم والولاة، وتأثر السكان بالضرائب وبالصراع المذهبي وبالأمانات التي عقدت عند الفتح، كما اختلفت أحوال المدينة الساحلية عن أحوال القرى الزراعية والصعيد. ولذلك لا يصح القول إن البلاد كلها رحبت أو قاومت على نسق واحد، ولا يصح تحو يل رواية عن ظلم جاب أو إنصاف وال إلى وصف شامل لكل العهد، كما لا يصح تفسير التحول الديني السر يع من غير تتبع طو يل للسكان والإدارة واللغة والمدينة والر يف.

وبهذه الفتوحات اتسعت الدولة في عهد عمر من العراق والشام إلى فارس ومصر، وصار عليها أن تدير أقاليم ترتبط بأنظمة مالية وإدار ية مختلفة، فكانت الأمصار في البصرة والكوفة والفسطاط قواعد للجند ومراكز للجباية والقضاء، وكانت المدن المفتوحة تحتفظ بدرجات من مؤسساتها وموظفيها، بينما تعمل الخلافة على منع الولاة والقادة من الاستقلال، ولم يكن هذا النظام خاليا من التوتر، فقد أدى توز يع العطاء والوظائف والأراضي إلى نشوء جماعات عسكر ية وقبلية، وسيظهر أثرها في عهد عثمان وفي الفتنة الكبرى، غير أن تأسيسها في عهد عمر ارتبط أولا بالحاجة إلى إدارة الفتح وتأمين الطرق والموارد.

وفي الجبهة الشمالية اتجهت الحملات إلى الجزيرة الفراتية، وهي الإقليم الواقع بين دجلة والفرات، بعد أن ضعفت قدرة البيزنطيين على حفظ المدن والحصون المتباعدة. وتختلف الروايات في تاريخ بدء الحملة وفي مقدار اتصالها بفتوح الشام، غير أنها تنسب إلى عياض بن غنم قيادة جانب مهم منها، وتذكر انتقاله بين مدن وطرق تتصل بالفرات والبليخ والخابور، وهي مجار مائية كانت تحدد حركة الجيش ومصادر الماء وطرق الإمداد. 91 ✦ ✦