معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 90 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 90

وكان الخراج في مصر مرتبطا بطبيعة الزراعة وبفيضان النيل، فلم تكن الضريبة مبلغا ثابتا واحدا لكل البلاد، بل تأثرت بخصوبة الأرض وبقدرة القنوات على إيصال الماء وبمقدار المحصول، كما كان توقيت التقدير والتحصيل مرتبطا بانتهاء الزرع وظهور مقدار الغلة. و يجب الفصل بين الجز ية المفروضة على الأشخاص وخراج الأرض والمطالبات العينية وأعمال الخدمة، لأن الخلط بينها يكون صورة مضللة عن النظام المالي، ولأن اللفظ الواحد قد يستعمل في المصادر بمعنى ضيق أو بمعنى يشمل موارد متعددة.

وتشير البرديات اليونانية المؤرخة في العقود الأولى بعد الفتح إلى مطالبات وإمدادات وإدارة مستمرة، ولا تصور انتقال السلطة كأنه أوقف الدواوين ثم أنشأ جهازا كاملا من جديد في يوم واحد، بل تكشف عن إعادة توجيه جهاز قائم لخدمة الدولة الجديدة، وعن استمرار الكتابة والحساب وتحصيل الموارد في بيئة متعددة اللغات. كما أن وجود الموظفين المصر يين والكتبة والجباة لم يكن تفصيلا ثانويا، لأن معرفة أسماء القرى ومساحات الأرض ومواعيد الري ومقدار المحصول كانت شرطا لجمع المال، وهو ما يدل على أن التغيير السياسي لم غ يلغ الخبرة الإدار ية المحلية، بل أعاد إخضاعها لسلطة جديدة.

وكان انخفاض النيل أو اضطراب القنوات يؤثر في المحصول وفي قدرة الفلاحين على دفع الضريبة، فتتصل الإدارة المالية بحماية الري وبإصلاح القنوات وبمراقبة الجباة. وإذا نقص الماء لم ينخفض دخل الفلاح وحده، بل اضطربت موارد الجند والوالي والخلافة، ولذلك ارتبطت حماية الجسور وحفر الخلجان وسد الترع بمسألة الدولة المالية، ولم تكن أعمال الري منفصلة عن السياسة أو القضاء أو حماية القرى من الاعتداء. 90 ✦ ✦