وكان المسجد في مركزها، ثم قسمت الخطط على الجند والقبائل، فصار للمقاتلين مواضع إقامة تتصل بالعطاء والقيادة، ونشأت حولها الأسواق والمخازن وطرق النقل. وتذكر وزارة الآثار المصر ية أن المسجد الأول كان موضع اجتماع للجماعة وجند عمرو، وأن بعض الصحابة شاركوا في بنائه، بينما تؤكد بقاياه الحالية أنها مرت بتوسعات وإعادات كثيرة، ولذلك لا يصح تصوير البناء القائم اليوم على أنه الشكل الكامل للمسجد في سنة التأسيس.
ولم يكن المسجد مكانا للصلاة وحدها، بل كان مركزا للاجتماع والتعليم وإعلان القرارات، كما ارتبطت به دار الإمارة ومساكن الجند والأسواق، فاجتمعت في الفسطاط وظائف العبادة والقيادة والإدارة والتجارة. ولم تكن العمارة التي ظهرت في العصور اللاحقة موجودة كلها في لحظة التأسيس، ولذلك يفصل السرد المسجد الأول عن توسعاته، و يفصل كذلك بين اختيار الموضع وبين نمو المدينة عبر العقود.
وتداخل في الفسطاط الجند والموظفون والسكان المحليون والتجار، ثم جاءت جماعات من مصر والشام والجزيرة واليمن، ونشأت أحياء ذات صلات قبلية وعسكر ية، بينما ظل السكان المحليون حاضرين في الحرف والتجارة والري والجباية. ولم تكن المدينة أحادية اللغة أو الدين، فقد استعملت العربية في الإدارة الإسلامية والجيش، وظلت القبطية واليونانية حاضرتين بين السكان والموظفين، كما عاش فيها مسيحيون ويهود إلى جانب المسلمين، وهو ما جعل إدارة السوق والضرائب والمراسلات تحتاج إلى وسطاء وكتبة يعرفون أكثر من لغة.