معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 877 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 877

وكانت الهدنة وسيلة لتأخير السقوط وإعادة تنظيم الدولة، كما كانت الجز ية أو الالتزامات المالية ثمنا مؤقتا لتجنب الحصار، غير أن هذا الوضع جعل الإمارة مرتبطة بتوازن دقيق بين القوة والاعتراف. وكان ابن الأحمر يبدل بين القتال والتفاوض بحسب الحدود، ولذلك لا يصح تصوير علاقته بقشتالة استسلاما كاملا ولا استقلالا مطلقا.

وكانت قشتالة تتقدم في وادي الوادي الكبير، فسقطت مدن وأقاليم، وضاقت مساحة الحكم الإسلامي، كما فقد ابن الأحمر جيان أو تنازل عنها في سياق توسع فرديناند الثالث بحسب الروايات. وكان فقدان جيان مؤلما بسبب موقعها وصلتها بالداخل، لكنه دفع الثقل السياسي نحو غرناطة والجبال والجنوب الساحلي، حيث صارت الإمارة أكثر اعتمادا على التحصين والموانئ.

وكانت مالقة والمر ية عنصرين مهمين في بقاء الإمارة، فمالقة توفر الميناء والاتصال بالمغرب، والمر ية تصل بين التجارة والطرق البحر ية، كما أن الحدود الجبلية تمنح مواقع دفاعية. ولم تكن السيطرة عليهما ثابتة في كل مرحلة، لأن القوى المحلية وقشتالة والبيوتات الأندلسية دخلت في صراع متكرر، ولذلك يذكر نفوذ بني نصر فيهما ضمن مسار متدرج.

وكان اللاجئون من قرطبة وإشبيلية وجيان وغيرها يغيرون بنية غرناطة الاقتصادية والعلمية والعمرانية، فانتقلت إليها خبرات في الكتابة والقضاء والصناعة والتجارة، كما ازدادت حاجتها إلى الغذاء والأسواق والتحصينات. ولم يكن اللجوء مجرد نتيجة إنسانية للحرب، بل صار عاملا في تقو ية الإمارة من جهة، وفي ز يادة أعبائها من جهة أخرى.