وكان سقوط قرطبة ذا أثر رمزي كبير، لأنها كانت مركزا تار يخيا وعلميا وسياسيا، كما أن سقوط إشبيلية أنهى نفوذا أندلسيا واسعا، بينما ارتبط سقوط بلنسية ومرسية وجيان بحروب محلية وبقدرة الممالك المسيحية على استغلال الانقسام. ولم يؤد فقدان مدينة إلى فقدان كل الإقليم فورا، إذ بقيت حصون وقرى ومراكز مقاومة، كما استمرت إمارة غرناطة في مسار مختلف سيعالج في موضع مستقل.
وكان الاقتصاد عاملا أساسيا في التراجع، لأن الحرب الطويلة أرهقت القرى والطرق والأسواق، كما أضعفت الجباية قدرة الدولة على دفع العطاء وبناء الحصون، واضطر الخلفاء إلى الاعتماد على قوات مرتزقة أو حلفاء متغيرين. ولم يكن التفسير العسكري وحده كافيا، لأن ضعف الخزانة والإدارة والطرق التجار ية جعل الجيش أقل قدرة على الحركة، كما لم يكن التفسير القبلي وحده كافيا، لأن المدن والدواوين والوباء والتحالفات الخارجية أثرت في مسار الانهيار.
وكانت الأوبئة والمجاعات والاضطرابات تزيد أثر الحرب، فتقلل السكان والموارد، وتدفع المدن إلى طلب الهدنة أو قبول حاكم محلي، كما كان انتقال الجند بين المغرب والأندلس يحتاج إلى أموال وسفن ومؤن. وتختلف الأخبار في تفاصيل الأوبئة وتوار يخها، غير أن الضغط السكاني والاقتصادي يظهر في سياق تراجع الدولة، ولا يختزل في رواية واحدة.
وكان الخلفاء يحاولون استعادة الوحدة بالحملات والصلح وتعيين الولاة وتجديد البيعة، غير أن السيطرة الفعلية كانت تتراجع كلما ابتعد الإقليم عن مراكش، كما كان القائد المحلي