معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 859 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 859

وكان ابن تومرت ينتقد ما رآه انحرافا في السلطة المرابطية، وركز على مفهوم التوحيد وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما صاغ دعوته في لغة تجمع العقيدة والقيادة والجماعة. ولم تكن الدعوة فكرة مجردة منفصلة عن المجتمع، لأن ابن تومرت احتاج إلى أتباع وقبائل ومجال آمن، كما احتاج إلى تحو يل الخطاب الديني إلى تنظيم قادر على مواجهة الدولة القائمة.

وكانت مصمودة المجال الذي وجدت فيه الدعوة سندها الأول، فارتبط ابن تومرت بشيوخ القبائل وبالجماعات التي رأت في حركته وسيلة دينية وسياسية، كما استفاد من التنافس بين القبائل ومن صعوبة وصول السلطة المرابطية إلى الجبال. ولم يكن المصموديون كتلة واحدة منذ البداية، بل احتاجت الجماعة إلى ترتيب الشيوخ والمراتب والعهود، كما احتاجت إلى ضبط الخلاف الداخلي حتى لا تتحول الدعوة إلى تحالف مؤقت.

وكان تينمل مركز الجماعة الموحدية، فصار موضعا للتعليم والبيعة والتدريب وإدارة الاتصال بالقبائل، كما كان موقعه الجبلي يمنح الحركة حماية من الحملات المرابطية. ولم تكن تينمل مدينة واسعة أو عاصمة بالمعنى اللاحق، بل كانت نواة سياسية ودينية، ومنها خرجت الرسائل والأوامر، وإليها رجع الشيوخ عند اشتداد الصراع.

وكان ابن تومرت يثبت دعوته بوصفه المهدي، وتختلف المصادر في تفاصيل البيعة والألقاب وفي مقدار اقتناع أتباعه، غير أن الذاكرة الموحدية جعلت هذا اللقب أساسا للشرعية. ولم يكن إعلان المهدية مجرد صيغة دينية، لأنه منح الجماعة قيادة مطلقة وربط الطاعة بنصرة