وكانت مصر في الحساب العسكري إقليما واسعا غنيا بالزراعة والضرائب، لكنه محمي بحصون وممرات مائية وبإدارة بيزنطية تملك خبرة طويلة في الجباية والري، ولذلك احتاج الجيش إلى السيطرة على المعابر ومصادر الماء، وإلى تأمين طريق الرجوع والإمداد، وإلى التحرك بين الصحراء وحافة الوادي دون أن ينقطع عن قواعده في الشام. وتختلف الأخبار في طريق الحملة وتفاصيل توقفها عند العريش والفرما، غير أن إطارها العام يربط بين التقدم من جهة سيناء وبين محاولة الوصول إلى مداخل الدلتا قبل أن تتجمع القوات البيزنطية.
تقدم الجيش بعد مراحل الحدود والشرقية إلى حصن بابليون، وكان الحصن مركزا عسكريا وإداريا بالغ الأهمية عند مدخل الدلتا وقرب النيل، ولذلك لم يكن سقوطه مجرد انتصار على حامية منفردة، بل فتح الطريق أمام تنظيم السيطرة على مصر الوسطى والاتصال بالوجه البحري والصعيد. وتختلف الروايات في مدة الحصار، وفي المعارك التي وقعت حول الأسوار، وفي مقدار تداخل القتال مع المفاوضات، كما تختلف في أسماء القادة البيزنطيين وفي مدى حضور المقوقس داخل الحصن.
وبرزت شخصية المقوقس أو قورش في المصادر العربية، وهي تسمية تحتاج إلى تفر يق بين الوالي البيزنطي ورئيس الإدارة القبطية، لأن الأخبار اللاحقة قد تجمع بين وظائف دينية وإدار ية وعسكر ية في شخصية واحدة. وتذكر الروايات إرسال وفود للتفاوض، ونسب إلى عبادة بن الصامت دور في عرض شروط الأمان والجز ية، كما تورد حوارات بين الوفد العربي وممثلي الحصن، غير أن ألفاظ تلك الحوارات لا تثبت كلها بدرجة واحدة، ولذلك يثبت السرد أصل التفاوض واختلاف شروطه دون تحو يل الرواية الأدبية إلى محضر حرفي. 84 ✦ ✦