وكانت الإدارة بعد الفتح تقوم على أكثر من عنصر، فثبتت الحاميات في المدن والطرق، وعين العمال والجباة، واستعين في جمع الخراج برجال من الإدارة الساسانية أو ملاك الأرض المحليين، كما أأبقيت في مواضع مختلفة على أنظمة زراعية وقنوات ومجالس قرى لأن الدولة الجديدة لم تكن تملك في البداية جهازا بديلا يغطي كل ناحية. وتظهر هنا استمرار ية مهمة بين العصرين، فانتقال السلطة السياسية لم يؤد إلى زوال جميع المؤسسات المالية والزراعية، بل أعيد ترتيبها ضمن نظام الخراج والجز ية والعطاء.
ولا تعني السيطرة العسكر ية تحول سكان فارس إلى الإسلام فورا، فقد بقي الزرادشتيون والمسيحيون واليهود وغيرهم في أقاليم مختلفة، واستمرت مؤسسات دينية ومحلية، كما أن دخول بعض النخب في الإسلام أو تحالفها مع الحكم لا يثبت تحول عامة السكان. وكانت النتيجة الأولى سياسية ومالية وعسكر ية، ثم بدأت تغيرات اجتماعية ودينية ولغو ية على مدى أجيال، واختلفت سرعتها من إقليم إلى آخر، ولذلك يميز السرد بين الفتح، واستقرار الإدارة، واعتناق الإسلام، وتبدل الثقافة، ولا يجعلها حدثا واحدا.
وفي مصر اتخذ التوسع مسارا مختلفا، إذ خرج عمرو بن العاص من جبهة الشام في حملة تؤرخها الروايات بين 18و19ه639/م، وتختلف الأخبار في مقدار إذن عمر وتردده أو موافقته، وفي عدد الجيش الذي خرج مع عمرو، ثم في التعزيزات التي لحقت به لاحقا. ولا تثبت الأرقام المتأخرة بلا مقارنة، كما لا يصح فصل الحملة عن طبيعة مصر الجغرافية؛ فالدلتا والنيل والحصون والمدن الساحلية جعلت القتال مختلفا عن قتال البادية أو الهضبة الإيرانية.