معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 821 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 821

وكانت الجباية تمول الجيش والحاميات والقصور والمرافئ، كما كانت الحصون حول إشبيلية وقرمونة تحمي الطرق وتراقب حركة الخصوم، وكان القاضي والكاتب والعامل والشرطي يربطون المدينة بالأقاليم. ولم يكن الحكم قادرا على الاستمرار إذا انقطعت الجباية أو تمردت الحامية، ولذلك احتاج بنو عباد إلى موازنة أهل المدينة والقادة والأسر المحلية والقرى التابعة.

وكان بلاط بني عباد مركزا للشعر والأدب والعلم، فظهر المعتمد وابن عمار وابن حمديس وغيرهم في الأخبار الأدبية، كما استقبلت إشبيلية العلماء والكتاب، وتنافس الأمراء في المجالس والقصائد والرسائل. ولم يكن الشعر مجرد زينة، لأن القصيدة قد تمجد حربا أو تفاوضا أو نسبا، كما تكشف الرسائل عن لغة السلطة، غير أن الخبر الأدبي لا يكفي وحده لإثبات تفاصيل الحملة أو القرار.

وكان المعتمد يجمع في صورته بين الملك والشاعر، فكانت قصائده وأخبار أسره ونفيه اللاحق سببا في تكوين ذاكرة واسعة عنه، لكن حياته السياسية لا تختصر في المأساة الأدبية، إذ حكم دولة واسعة وخاض صراعات واحتاج إلى المال والجيش والمرابطين. ولذلك يفصل السرد بين تاريخ البلاط وشعره وبين تطور مملكة إشبيلية ومصيرها السياسي.

وكانت إشبيلية في عهد بني عباد نموذجا لطائفةكبيرة استطاعت أن تتحول من مدينة مستقلة إلى قوة جنوبية تضم أو تؤثر في مراكز أخرى، فبدأت بالقاضي أبي القاسم، وتقوت في عهد المعتضد، واتسعت في عهد المعتمد، ثم وجدت نفسها بين ضغط قشتالة وخطر انقسام