معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 817 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 817

وكان أبو القاسم يحافظ على صورة الحاكم القاضي، فجمع بين الشرعية القضائية والتدبير السياسي، وأظهر نفسه حاميا للمدينة ومصالح أهلها، كما استعمل الديوان والرسائل لاستدعاء الطاعة من القرى والحصون. ولم يكن حكمه مطابقا لحكم الخليفة، لأن الطائفة لم تملك المجال الأندلسي كله، لكنه ورث بعض مؤسسات الخلافة وأعاد توظيفها في نطاق إقليمي.

وكانت قرطبة قريبة من إشبيلية ومتصلة بها بالطرق والنخب والموارد، ولذلك دخلت المدينتان في صراع على الرمز والمال، كما تنافست إشبيلية مع بني جهور الذين تولوا قرطبة بعد سقوط الخلافة. وكانت السيطرة على قرطبة قد تكون مؤقتة أو مرتبطة بتحالف، ولذلك يفرق بين دخول جيش عبادي إلى المدينة وبين ضمها المستقر إلى مملكة إشبيلية.

وكانت إشبيلية تستفيد من ضعف قرطبة أو من انقسام أهلها، فتدخل في الصراع حين ترى أن السيطرة على العاصمة القديمة تحمي حدودها وتزيد شرعيتها، كما كانت قرطبة تقاوم التبعية كلما وجدت قائدا أو أسرة تعيد تنظيم دفاعها. ولذلك لم تكن أخبار قرطبة ومرسية وقرمونة حملة واحدة، بل مراحل متعددة تختلف فيها الطرق والقيادات والنتائج.

وكانت قرمونة ذات أهمية عسكر ية لأنها تحمي الطرق المؤدية إلى إشبيلية وقرطبة، كما كانت مرسية بعيدة نسبيا وذات موارد واتصالات خاصة، ولذلك احتاج ضم كل منطقة إلى سياسة مختلفة. وقد يكون التوسع في موضع نتيجة حرب، وفي آخر نتيجة بيعة أو تحالف أو زواج أو استغلال نزاع محلي، فلا يختصر اتساع بني عباد في عبارة واحدة.