وكانت البار ياس عبئا على خزائن الطوائف، إذ تدفع الأموال أو الذهب أو غير ذلك إلى الممالك المسيحية، فتضطر الدولة إلى ز يادة الجباية أو إنقاص العطاء أو طلب المال من المدن والتجار، كما قد تؤدي إلى غضب السكان وإلى إضعاف القدرة العسكر ية. ومع ذلك لا تختزل اقتصاد الطوائف في البار ياس وحدها، لأن الزراعة والتجارة والموانئ والصناعة والأسواق بقيت موارد مهمة، كما أن بعض الإمارات استفادت من موقعها التجاري.
وكانت الثقافة والشعر والعلم من مظاهر عصر الطوائف، فاستقبلت البلاطات الشعراء والفقهاء واللغو يين والأطباء والكتاب، وتنافس الأمراء في إنشاء المجالس وجمع الكتب وإكرام الأدباء، كما استمرت المدارس والمساجد والرحلات. ولم يكن هذا الازدهار دليلا على الوحدة أو الاستقرار، لأن الشاعر قد يمدح أميرا يحارب جاره، ولأن القصر الثقافي قد يعيش إلى جانب حصار وجباية شديدة، ولذلك يذكر الجانبان معا.
وكانت قرطبة لا تزال مرجعا في العلم واللغة والحديث والفقه، حتى بعد زوال الخلافة، كما انتقل علماؤها وكتبها إلى المدن الأخرى، فاستفادت الطوائف من تراث العاصمة ومن موظفيها وكتابها، ولم تنقطع الحياة الثقافية بانهيار المركز. وكانت حركة العلماء مرتبطة بالرحلة وبالأمان وبالعطاء، ولذلك أثرت الحروب في بعض مساراتها، لكنها لم توقفها كليا.
وكان سقوط طليطلة سنة 478ه1085/م نقطة تحول كبرى، لأن المدينةكانت مركزا واسعا في وسط الأندلس، ولأن استيلاء ألفونسو السادس عليها أظهر أن الممالك المسيحية قادرة على انتزاع مدينة إسلامية كبرى، كما قطع طرقا وأضعف توازن الطوائف. ولم يكن سقوطها