معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 80 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 80

ولم تكن الكوفة في أول أمرها مركزا مذهبيا أو عاصمة للفتنة، بل كانت مدينة جند وإدارة، يقطنها مقاتلون من قبائل وبلدان متعددة، وتتشكل فيها علاقات جديدة بين تاريخ القبيلة ومرتبة الإسلام ومدة الخدمة والعطاء. وقد ساعد هذا التركيب على ظهور تنافس اجتماعي وسياسي في مراحل لاحقة، كما أن انتقال علي إليها في زمن الفتنة جعلها مركزا حاسما في الصراع، لكن تلك التطورات لا يجوز إسقاطها على لحظة التأسيس التي كان همها تثبيت الجبهة وتنظيم السكان وربط العراق بالدولة.

وكان سعد بن أبي وقاص يدير الكوفة في المرحلة الأولى، ثم وصلت إلى عمر شكاوى تتصل بالوالي أو بالصلاة أو بأسلوب الإدارة بحسب اختلاف الروايات، فتعامل معها الخليفة ضمن سياسته العامة في مراقبة الولاة وعدم ترك الأمصار تتحول إلى ملك شخصي للقادة. ولا تثبت كل ألفاظ الشكاوى ولا كل تفاصيل التحقيق بالدرجة نفسها، لكن أصل العلاقة بين المصر والمدينة، وبين الوالي والسلطة المركز ية، يوضح أن تأسيس الكوفة كان مشروعا إداريا إلى جانب كونه معسكرا، وأن الخلافة كانت تراقب أثر الجند في السكان وأثر السكان في الجند.

وكان تأسيس البصرة والكوفة جزءا من تحول أكبر في سياسة الدولة، فبدل أن تعود الجيوش إلى المدينة بعد كل حملة، صار لها أمصار ثابتة تجمع المقاتلين وتحفظ السلاح وتراقب الطرق، وتستقبل العطاء، وتتيح للخلافة إدارة العراق وفارس من مراكز قريبة، غير أن هذا النظام خلق كذلك تجمعات قبلية وعسكر ية سيكون لها أثر في الصراعات اللاحقة، ولذلك ينبغي أن يذكر بناء الأمصار في سياق وظيفتها الأولى، ثم يتتبع تحولها الاجتماعي والثقافي والسياسي عبر العهود، دون أن تنسب إلى لحظة التأسيس كل النتائج التي ظهرت بعد عقود. 80 ✦ ✦