وأقيم المسجد في مركز المصر، وجاوره قصر الإمارة أو دار الإمارة، فصار المكان يجمع العبادة والإدارة والقيادة في قلب المدينة، وتذكر المصادر أن هذا الاقتران صار نموذجا في مدن الحاميات الإسلامية المبكرة. وتؤكد الدراسات الأثر ية أن مجمع المسجد والقصر من أقدم الشواهد المادية على تخطيط المدينة الإسلامية المبكرة، لكنها تنبه إلى أن البقايا المكتشفة تضم طبقات إنشائية متعددة، وأن ما يظهر اليوم لا يمكن نسبتهكله إلى مرحلة سعد الأولى دون تمييز زمني.
وقسمت الخطط على القبائل والجند، فكان لكل جماعة موضع نزول، وارتبط توز يع السكان بوظيفة الجيش وبنظام العطاء، ثم نشأت الأسواق حول قلب المصر لخدمة الجند والأسر والتجار. ولا يعني ذلك أن الكوفة بنيت وفق مخطط جامد اتفق عليه الجميع من أول يوم، فقد يرى بعض الباحثين أن السلطة حددت العناصر المركز ية والطرق العامة، بينما تشكلت الأحياء تدر يجيا حول تجمعات قبلية، ولذلك يذكر السرد الرأيين مع عدم القطع بما لا تثبته الحفر يات.
وكانت الكوفة قاعدة للعمليات في فارس والعراق والجزيرة، ومنها خرجت الجيوش، وإليها عادت الغنائم والرسائل والولاة، كما ارتبطت بالمدائن والحيرة وبالطرق التي تؤدي إلى الجبال والهضبة الإيرانية. وكان وجودها إلى جانب البصرة جزءا من سياسة إنشاء أمصار ثابتة في العراق؛ فالبصرة حمت الجبهة الجنوبية وطرق الخليج والأهواز، بينما تولت الكوفة مجال العراق الأوسط والطرق الشرقية والشمالية، مع بقاء الوظيفتين متداخلتين في الحملات والإدارة.