معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 78 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 78

ولم تكن إدارة البصرة مستقلة عن سياسة عمر في مراقبة الولاة، فقد نقلت أخبار عن رسالة عتبة أو طلبه الإذن في بناء المصر، وعن عزله أو استقالته وتعيين الولاة بعده، وهي أخبار تختلف في تفاصيلها، لكن أصل السياسة واضح، فقد أراد الخليفة أن تكون الأمصار قواعد للجند لا ممالك خاصة للقادة، وأن تظل طرق القتال والإمداد مرتبطة بالمدينة، وفي الوقت نفسه كان تجمع القبائل في البصرة يخلق مجتمعا جديدا يضم أهل اليمن ونجد والقبائل التي شاركت في الفتوحات، ثم أضيف إلى ذلك سكان محليون وتجار وموظفون، فبدأت المدينة تتجاوز وظيفة المعسكر.

أما الكوفة فقد تأسست قرب الفرات والحيرة في عهد عمر، وتؤرخ غالب الروايات إنشاءها بسنة 17ه638/م، مع ورود 16ه في بعض الأخبار، وتنسب إدارتها إلى سعد بن أبي وقاص. ولم يكن اختيار الموضع اعتباطيا، فقد احتاج الجند إلى مكان أصلح من المواقع السابقة من جهة الصحة والماء والمرعى، وإلى قاعدة أقرب إلى المدائن وطرق فارس والجزيرة من المدينة، كما احتاجت الخلافة إلى مصر يقيم فيه المقاتلون وأسرهم بدل أن يبقوا في معسكر مؤقت يتغير مع كل حملة.

وكانت الكوفة قريبة من الحيرة، عاصمة المناذرة القديمة، لكنها لم تكن مجرد امتداد عمراني لها، بل أنشئت بوصفها مستوطنة عسكر ية جديدة في منطقة تسمح بالاتصال بالفرات وبطرق العراق. وتختلف الروايات في تحديد موضع النزول الأول، وفي المراحل التي سبقت الاستقرار، كما تختلف في مقدار ما كان قائما من مساكن أو منشآت قبل بناء المصر، ولذلك يفرق السرد بين المجال الجغرافي العام وبين المدينة التي اكتمل تخطيطها تدر يجيا. 78 ✦ ✦