وبني المسجد ودار الإمارة، ثم أقيمت البيوت من القصب والمواد المتاحة، وكانت هذه العمارة قابلة للتفكيك عند خروج الجند في الحملات وإعادة البناء عند رجوعهم بحسب ما تنقله الروايات عن طبيعة المعسكر الأول. وقسمت الخطط على القبائل والجند، فكان لكل جماعة موضع تنزل فيه، وتداخل التنظيم العسكري مع الروابط القبلية التي حملها المقاتلون من الجزيرة والعراق، ثم انضمت قبائل أخرى إلى المدينة مع استمرار الهجرة وازدياد العطاء.
ولم تكن البصرة في نشأتها مركزا تجاريا مزدهرا فحسب، بل كانت قاعدة للعمليات الشرقية، فخرجت منها الجيوش إلى الأهواز وفارس وسجستان وخراسان، وأدارت من خلالها الخلافة حاميات وطرقا ووكلاء خراج في مناطق بعيدة. كما أن سكانها لم يكونوا من العرب وحدهم؛ فقد عاش فيها سكان محليون وفرس وأسرى وموالي وجماعات ارتبطت بالتجارة البحر ية والبر ية، غير أن العنصر العربي القبلي ظل غالبا في مرحلة التأسيس، وهو ما جعل المدينة قاعدة عسكر ية ذات بنية اجتماعية مركبة.
ومع الوقت تحولت الحامية إلى مدينة، فاحتاجت إلى الماء للشرب والزراعة والصناعة، وإلى الأسواق والمقابر وطرق النقل، ثم ساعدت القنوات على وصلها بمصادر المياه وبالأبلة وشط العرب، وأدى انتظام العطاء إلى تثبيت أسر المقاتلين وإلى انتقال مهاجرين من قبائل متعددة. ومن هنا بدأ الفرق بين البصرة الأولى، وهي مصر عسكري على طرف الصحراء، والبصرة التي غدت في العصر الأموي مركزا إداريا واسعا، ثم تحولت في العصر العباسي إلى حاضرة للتجارة والعلم واللغة، ولا يجوز نقل ازدهارها اللاحق إلى لحظة تأسيسها.