المؤقت، أو اختيار الموضع، أو بناء المسجد ودار الإمارة، أو تحول المعسكر إلى مصر دائم. أما الدراسات الجغرافية والأثر ية فتشير إلى أن الاستيطان الأول كان في نحو 17ه638/م أو بدأ قبل ذلك بسنوات قليلة، وأنه صار أكثر استقرارا في 639–638م، ولذلك لا يصح إسقاط تاريخ واحد على جميع مراحل النشأة.
ونسب تأسيس البصرة إلى عتبة بن غزوان بإذن عمر، وتذكر الروايات أن عمر طلب موضعا قريبا من الماء والمرعى والحطب، وأن يكون في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم، بحيث يتيح للجند الدفاع والهجوم مع إمكان الرجوع إلى الصحراء. وكان الموقع الأول جنوب غرب الأبلة، قرب بقايا مستوطنة ساسانية قديمة عرفت عند العرب بالخريبة، ولم يكن هو بالضرورة موضع المدينة الحديثة؛ إذ تفصل بينه وبين الأبلة مناطق منخفضة ومستنقعات قابلة للغمر، كما تغير مجرى الأنهار ومركز العمران في العصور اللاحقة.
وكان اختيار هذا الموضع يحمل مزايا عسكر ية وعيوبا في الوقت نفسه، فالقرب من الأبلة والطرق المائية يتيح الاتصال بالخليج وبالقرى الزراعية، والوجود على طرف الصحراء يوفر مخرجا للجيش إذا أعاد الفرس تنظيم قوتهم، بينما جعلت المستنقعات والفيضانات والملوحة والبعد عن الماء العذب إقامة عدد كبير من الناس أمرا صعبا. ولهذا اعتمدت الحامية في بدايتها على القصب والحطب والمياه القريبة، ثم احتاجت مع نموها إلى حفر القنوات وتنظيم التصر يف والري، ولم تكن المدينة الكبيرة التي عرفتها العصور اللاحقة موجودة منذ يوم النزول الأول.