معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 790 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 790

وكانت بداية النظام العامري انتقالا تدر يجيا لا إعلان دولة مستقلة سنة 366ه976/م، لأن هشام ظل خليفة، ولأن اسم بني أمية استمر في الخطبة والسكة، ولأن ابن أبي عامر احتاج إلى شرعية الخليفة وإلى مؤسسات الدولة القائمة. ومع ذلك ظهرت ملامح سلطة عامرية في الحجابة والجيش والمال، ثم اتسعت هذه الملامح مع إقصاء المصحفي وتكوين شبكة القصر والقيادة.

وكانت المصادر الأندلسية، ومنها أخبار ابن حيان وابن عذاري والرازي وابن حزم، تعرض الحوادث من زوايا مختلفة، كما تنقل المصادر المسيحية أخبار الحملات والاتصالات بعبارات تخدم مصالحها، ولذلك تقارن بينها ولا تجعل الرواية الأدبية دليلا مستقلا على كل حوار أو مؤامرة. و يظهر في بعض الأخبار مدح المنصور أو ذمه، كما يظهر أثر الدعاية في تصوير صبح أو المصحفي أو القادة، ولذلك يفصل بين الأصل التار يخي والتفصيل الذي زادته الذاكرة السياسية.

وكان انتقال الحكم إلى هشام المؤيد قد حافظ على اسم الخلافة الأمو ية، لكنه أوجد فراغا في ممارسة السلطة ملأته الحجابة والوصاية والتحالفات، ثم تقدم محمد بن أبي عامر من موظف وقاض وكاتب إلى رجل قصر وقائد وحاجب، مستفيدا من صبح والمصحفي أولا، ثم متجاوزا المصحفي وموسعا شبكة الجيش والمال والرسائل. وبذلك بدأت السلطة العامرية داخل الشرعية الأمو ية، ثم أخذت تنفصل عن الخليفة في التنفيذ دون أن تنفصل عنه في الاسم، وتهيأت المرحلة التالية لصراع ابن أبي عامر مع غالب ولحكمه الفعلي للدولة.