معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 788 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 788

وكان جعفر المصحفي بحاجة إلى ابن أبي عامر لمواجهة الخصوم وحفظ توازن القصر، كما كانت صبح تحتاج إلى رجال يمنعون انتقال نفوذها إلى منافسين من الحجابة أو الأسرة، فالتقت المصالح في أول العهد. وكان ابن أبي عامر يستفيد من هذا التحالف في تكوين شبكة خاصة به، فجمع بين صلة القصر وخبرة الديوان والقدرة على الوصول إلى الجيش، ثم بدأ ميزان القوى يتغير حين صار أتباعه أكثر وأوسع اتصالا.

وكانت المنافسة لا تدور حول لقب واحد، بل حول المال والجيش والرسائل والحق في مقابلة الخليفة وتعيين الولاة، ولذلك كان الحاجب يملك قوة تتجاوز مجرد تنظيم الدخول، وكان الوزير يملك سجلات وموارد، وكانت أم الخليفة تملك موقعا داخل القصر. ومع اتساع نفوذ ابن أبي عامر صار قادرا على الجمع بين هذه الأبواب، فاقترب من التدبير الفعلي، بينما بقي هشام رمز الشرعية.

وكان إقصاء المصحفي نتيجة تحول في التحالفات وتزايد نفوذ ابن أبي عامر، غير أن ترتيب الوقائع لا يختصر في لحظة واحدة، إذ سبقت العزل منازعات على المناصب والجيش والمال، كما دخلت فيها صلات صبح بالقصر ومواقف القادة. وتختلف الروايات في دور كل طرف وفي تفاصيل الإبعاد، ولذلك يثبت أن المصحفي فقد موقعه تدر يجيا، وأن ابن أبي عامر انتقل من حليف له إلى منافس أزاحه من مركز القرار.

وكان غالب الناصري من أصحاب الخبرة العسكر ية والنفوذ في الجبهة، فارتبط بصراع لاحق مع ابن أبي عامر، غير أن الحرب بينهما تترك لتفصيلها في موضع مستقل، لأن هذه المرحلة