تحرير الرسائل، ثم دخل في دوائر القصر في عهد الحكم المستنصر، ولم يبدأ حياته بوصفه قائدا عسكريا كبيرا.
وكان ابن أبي عامر يتقدم بالمناصب تدر يجيا، فعمل في وظائف قضائية وإدار ية، واتصل بشؤون المال والرسائل، ثم قربه القصر بسبب كفاءته وثقة بعض رجال الدولة به، كما أتاح له ذلك معرفة أبواب الديوان ومداخل النفوذ. وكانت القصص الأدبية تصفه منذ صغره بطموح لا حد له، غير أن هذه الصورة تحتاج إلى مقارنة، لأن المؤرخين اللاحقين قد يعيدون تفسير خطواته الأولى في ضوء ما صار إليه بعد ذلك.
وكانت صلته بصبح من العوامل التي ساعدت على انتقاله إلى قلب السلطة، فاحتاجت أم الخليفة إلى رجل إداري يستطيع حماية مصالح هشام، واحتاج ابن أبي عامر إلى رعاية داخل القصر تفتح له الطريق إلى المناصب، كما وجد في المصحفي حليفا يساند صعوده في البداية. ولم يكن التحالف بين الثلاثة ثابتا إلى النهاية، بل قام على مصلحة مشتركة في إبعاد المنافسين ثم تحول إلى صراع على من يملك القرار.
وكان ابن أبي عامر يتقدم بين المصحفي وصبح والقادة، فحصل على مناصب تتصل بالمال أو القضاء أو شؤون الخليفة، ثم أضيفت إليه مسؤوليات عسكر ية، وكان كل منصب يوسع شبكة أتباعه ويزيد معرفته بموارد الدولة. ولم تكن هذه الخطوات قفزة واحدة، بل سلسلة من التعيينات والتحالفات والنجاحات، ولذلك يفصل بين مرحلة الموظف القريب من القصر ومرحلة الحاجب صاحب السلطة.