وكانت قرطبة تستعمل المال والوعود والتحالفات لإضعاف النفوذ الفاطمي، كما كان الفاطميون يحاولون استمالة زعماء أو السيطرة على موانئ وطرق، فصار المغرب ميدانا للحرب غير المباشرة، ولم تكن كل المعارك تقع بين جيشين كبيرين. وقد تكون المنافسة في رسالة أو حصن أو تعيين قائد، كما تكون في غارة بحر ية أو قطع طريق أو منع وصول المال، ولذلك تتابع السياسة العسكر ية والدبلوماسية معا.
وكانت التحصينات الجنوبية مرتبطة بتحصينات الجبهة الشمالية، لكن لكل جبهة طبيعتها، فالساحل يحتاج إلى مراقبة الموانئ والمضيق والأسطول، بينما تحتاج الحدود الشمالية إلى حصون جبلية وطرق بر ية وهدن مع الممالك المسيحية. ولذلك يفصل التنظيم البحري والجنوبي عن إدارة الثغور الشمالية، ولا ينسب إلى حملة بحر ية ما يخص القتال في ليون أو نافارا، كما لا يفسر كل بناء ساحلي بأنه رد على الفاطميين وحدهم.
وكانت المنافسة على المغرب تؤثر في التمويل، لأن الأسطول والحاميات والإنزالات تحتاج إلى مال وخشب ورجال ومؤن، كما أن دعم الحلفاء يستهلك العطاء والهدايا، ولذلك ارتبطت السياسة الخارجية بقدرة الديوان على الجباية. وكان تأمين ميناء قد يرفع التجارة ويمنع الغارة، بينما يؤدي فقدانه إلى ز يادة كلفة الدفاع، فاجتمعت في المغرب اعتبارات الشرعية والاقتصاد والأمن.
وكان انتقال مركز الثقل الفاطمي إلى مصر في أواخر القرن الرابع الهجري سيغير طبيعة المنافسة في المغرب، إذ بقيت إفر يقية والمغرب مجالا للسلطات المحلية والتحالفات الجديدة،