معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 766 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 766

وكان إعلان الناصر الخلافة في قرطبة تتويجا لثلاثة مسارات متداخلة، أولهما إعادة بناء القوة بعد تفكك طو يل، وثانيها استعادة الشرعية الأمو ية في الأندلس، وثالثها مواجهة تعدد مراكز الخلافة في بغداد وإفر يقية، فصار لقب أمير المؤمنين أداة لتوحيد الداخل وتمثيل الدولة في الخارج. ولم يكن القرار خاتمة الصراع، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب المحافظة على التوحيد وتوسيع الإدارة وبناء العمران ومواصلة المنافسة مع الفاطميين والعباسيين.

وكان قيام الخلافة يحتاج إلى جهاز يترجم القرار السياسي إلى عمل يومي، فالقصر لا يحكم بالألقاب وحدها، والجيش لا يتحرك من غير مال وقيادة ومؤن، والولاية لا تستمر من غير كاتب وقاض وشرطي وعامل، ولذلك ارتبطت قوة قرطبة في عهد الناصر بتثبيت الحجابة والوزارة والدواوين والجباية والحاميات، مع بقاء هذه الوظائف في طور التطور وعدم افتراض أنها بلغت صورتها النهائية منذ اليوم الأول.

وكانت الحجابة من وظائف القصر المهمة، إذ يتصل الحاجب بالدخول إلى السلطان وبترتيب المقابلات وبنقل الأوامر، كما يتصل بالوزراء والكتاب والقادة، غير أن وظيفة الحاجب في بدايات خلافة الناصر لا تساوي بالضرورة النفوذ الذي عرفته الحجابة في عهد المنصور المتأخر. ولذلك يفرق بين تنظيم الوصول إلى الأمير أو الخليفة وبين احتكار السلطة التنفيذية، كما يميز بين الحاجب بوصفه رئيسا لشؤون القصر وبين الحاجب الذي صار في عصور لاحقة صاحب القرار الفعلي.