معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 760 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 760

وكان المسيحيون واليهود يعيشون داخل المدن والأقاليم في ظل عهود وقضاء وجباية، كما كان بعضهم يعمل في الطب أو الكتابة أو التجارة، واستمر التفاعل مع المسلمين والمولدين، غير أن وضعهم لم يكن متساويا في كل مكان أو زمن. ولذلك يذكر الحكم في حدود الاتفاقات والمؤسسات، ولا يحول التعدد الاجتماعي إلى صورة مثالية أو إلى صراع دائم.

وكان عبد الرحمن الناصر قد حكم أميرا ثم خليفة أكثر من أربعين عاما، فانتقل في عهده من استعادة المركز إلى بناء دولة خلافية ذات إدارة وجيش ونقد وأساطيل وعلاقات خارجية وعمران واسع، كما ظل يخوض الحروب و يعقد الهدن و يواجه الثورات والممالك الشمالية. ولم يكن ازدهار عهده غيابا للمشكلات، بل نتيجة قدرة الدولة على جمع المال والرجال والمعلومات وتوجيهها إلى المركز.

وكان الناصر قد مرض أو أدركته الوفاة في قرطبة سنة 350ه961/م، فانتقلت الخلافة إلى ابنه الحكم المستنصر، وكان الانتقال منظما في العاصمة بسبب إعداد الأسرة والديوان والجيش، غير أن الحكم ورث دولة واسعة ومشروعا عمرانيا وثقافيا وعلاقات خارجية معقدة. وتترك تفاصيل عهد الحكم لموضعها التالي، لأن وفاة الناصر تمثل خاتمة مرحلة إعادة التوحيد وبداية مرحلة الخلافة المستقرة.

وكان إعلان الخلافة في قرطبة سنة 316ه929/م قد جاء بعد مرحلة من استعادة السلطة، فلم يكن الناصر يوم أعلن اللقب أميرا محليا ينازع على بقاء حصن قريب، بل كان قد أعاد إخضاع معظم المراكز الكبرى، وأسقط ببشتر، وأعاد للديوان والجيش والجباية قدرا من