معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 759 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 759

تصف الذهب والرخام والأعداد بأرقام لا يمكن إثباتها جميعا، ولذلك يثبت أصل المشروع ووظيفته السياسية والعمرانية، و يفصل بين الآثار والنصوص الاحتفالية.

وكان المسجد الجامع في قرطبة مركزا للصلاة والتعليم والقضاء وإعلان الحضور الأموي، كما استمرت حلقات الفقه والحديث واللغة والأدب والطب، وارتبط بعض العلماء بالقصر أو بالمسجد أو بالأسواق، غير أن الحركة العلمية لم تكن كلها من صنع الخليفة. وكان الناصر يستقبل العلماء والكتاب ويستفيد منهم في القضاء والديوان والرسائل، كما ساعد الأمن والمال والرحلات على اتساع الثقافة.

وكان العلم في عهده متصلا بالمشرق والمغرب وبالمدن الأندلسية، فانتقلت الكتب والأخبار، وظهر الأطباء والفقهاء والأدباء واللغو يون، كما ساعدت الدواوين على حفظ السجلات والرسائل. وكانت بعض الروايات الأدبية تضخم مجالس الناصر، ولذلك تقارن أخبار ابن حيان والرازي وابن حزم وابن القوطية بالمصادر والآثار، و يفصل الخبر الثقافي الثابت عن الوصف الاحتفالي.

وكانت سياسة الناصر تجاه الأسر المحلية والمولدين والبربر والمسيحيين تقوم على إعادة إدخالهم في الدولة بشروط مختلفة، فقبل بيعة بعض القادة وأبقى لهم مالا أو منصبا، ونقل بعضهم أو عاقب من أصر على الحرب، كما استعمل البربر والموالي والصقالبة في الجيش والإدارة بحسب الحاجة. ولم يكن كل صلح استسلاما، لأن الأسرة قد تحتفظ بجزء من نفوذها، كما لم يكن كل قمع إبادة أو اقتلاعا للسكان، بل تحدد آثاره بحسب الحادثة.