معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 758 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 758

وكان الناصر يعيد تنظيم الجباية والنقد، فاحتاج إلى موارد مستقرة من الأرض والأسواق والموانئ، كما كانت السكة تعلن اسم الخليفة وتربط المال بالشرعية، وكان ضبط العمال والحاميات يمنع تسرب الإيرادات. ولم تكن الز يادة المالية نتيجة قرار واحد، بل نتيجة استعادة طرق وقرى ومراكز كانت خارجة عن الطاعة، وإعادة إدخالها في الديوان، وحماية الأسواق، وتنظيم العطاء.

وكانت البحر ية جزءا من حماية السواحل ومن المنافسة مع الفاطميين والنقل بين الأندلس والمغرب، فاستمرت صناعة السفن والمرافئ والحاميات، كما احتاجت الموانئ إلى إدارة وخبراء ومؤن. ولم يكن الأسطول منفصلا عن الجباية والجيش، لأن السفينة تحتاج إلى خشب ورجال ومال، كما أن حماية الساحل تساعد التجارة وتمنع تسلل الخصوم.

وكان العمران في قرطبة يتسع مع استعادة الدولة، فظلت المساجد والأسواق والطرق والجسور تعمل، وأقيمت القصور والحدائق والمرافق التي تعبر عن مركز الخلافة، كما شيد الناصر مدينة الزهراء وجعلها مقرا من مقار القصر والإدارة والاحتفال. وتختلف الأخبار في تفاصيل البناء والمدة والأعداد، غير أن قيام الزهراء يثبت بوصفه مشروعا عمرانيا وسياسيا، ولا تنسب إليه كل توسعات المسجد أو كل الأبنية التي اكتملت في عهد الحكم المستنصر.

وكانت الزهراء أكثر من قصر، إذ جمعت السكن والإدارة والاستقبال ومظاهر السلطان، وربطت العمران بالشرعية الجديدة، كما احتاجت إلى طرق ومياه وحراس وكتاب وخدم وأسواق ومخازن، ولذلك أسهم بناؤها في إعادة تنظيم محيط قرطبة. وكانت المبالغات الأدبية