وكانت ثورة بني حفصون في ببشتر من أهم ما واجهه الناصر، لأن الحصن لم يكن مركز عمر وحده بعد وفاته، بل صار قاعدة لأبنائه وأتباعه، كما أن بقاءه خارج الطاعة يرمز إلى استمرار تفكك الدولة. وكان جعفر وعبد الرحمن وسليمان يتولون القيادة في مراحل مختلفة، وقد اختلفت مواقفهم بين القتال والمفاوضة، واستفاد بعضهم من الجبال والقرى ومن ضعف الحاميات.
وكان الناصر يرسل الحملات إلى حصون بني حفصون، فيستعيد قر ية أو يقطع طريقا أو يفرض حصارا، ثم يعود بعض القادة إلى القتال إذا وجدوا فرصة، ولذلك امتدت المعركة سنوات ولم تنته بضربة واحدة. وكانت الدولة تستعمل العفو لاستمالة من يترك ببشتر، كما تستعمل القوة لهدم قاعدة المقاومة، فكان سقوط كل موضع يضيق على الحصن و يقطع عنه الطعام والرجال والرسائل.
وكانت ببشتر تقع في موضع جبلي صعب، فاحتاج الجيش إلى تنظيم الحصار وإقامة المعسكرات وتأمين الطرق، كما احتاج الناصر إلى معرفة المسالك وإلى قادة يقدرون على القتال في المرتفعات. وتذكر الأخبار استعادة مواضع حولها وتضييق الخناق عليها، وتختلف في بعض التفاصيل العسكر ية، غير أن النتيجة العامة أن الدولة استعادت المبادرة، وأن مركز بني حفصون فقد قدرته على توسيع الثورة.
وكان سقوط ببشتر سنة 315ه928/م تقريبا نهاية عسكر ية لثورة بني حفصون، فدخل الحصن في طاعة الناصر، وتغير وضع الأسرة وأتباعها، كما أعيد تنظيم المنطقة وإدخالها في