معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 753 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 753

وكانت سياسته الأولى تقوم على الجمع بين الأمان والقوة، فيعرض على بعض القادة الصلح والبيعة والاحتفاظ بجزء من مكانتهم، ثم يرسل الجيوش إلى من يرفض أو ينقض العهد، كما كان يستفيد من خصومات الأسر المحلية ومن اختلاف مصالحها. ولم تكن التسو يات كلها استسلاما عسكريا محضا، لأن القائد قد يقبل البيعة مقابل ضمان أرض أو منصب أو سلامة أهل، كما لم يكن القمع وحده كافيا لإدارة بلد واسع.

وكان الناصر يعيد بناء الدواوين، فاحتاج إلى سجلات للجباية والعمال والحاميات، وإلى كتاب يحررون الرسائل ويتابعون الأخبار، وإلى شرطة تحمي العاصمة والأسواق، وإلى قضاء يثبت الأحكام والعقود. وكان إصلاح الإدارة مرتبطا بإعادة التوحيد، لأن الجيش لا يتحرك بلا مال، والمال لا يصل بلا عامل وحامية وطريق آمن، ولذلك لا يفصل بين التنظيم الديواني والحملات العسكر ية.

وكان الجيش في عهده يتكون من جماعات متعددة، ففيه العرب والبربر والموالي والصقالبة وجند المدن والحاميات، كما احتاج إلى رجال يعرفون الجبال والطرق والسواحل، وكان العطاء والقيادة والولاء وسائل لضبط هذا التنوع. ولم يكن تنظيم الجيش قرارا واحدا أو نسخة من نموذج عباسي مباشر، بل تراكما أمويا أندلسيا استجاب للثورات والثغور ولحاجة الأمير إلى قوة لا تعتمد على عصبية واحدة.

وكان الناصر يبدأ بإخضاع المراكز القريبة من قرطبة أو المؤثرة في طرقها، ثم يوسع حملاته نحو الغرب والجنوب والشرق والثغور، فاستهدف إشبيلية وقرمونة وإلبيرة ومالقة وماردة وطليطلة