معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 750 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 750

الصلح والحرب، ولا يصح عد كل صلح نهاية للثورة، كما لا يصح عد كل تمرد دليلا على سقوط نفوذ قرطبة.

وكان الجيش الأموي يعاني من الحاجة إلى المال والمؤن، لأن الحملة البعيدة تستهلك العطاء وتقطع الطرق وتحتاج إلى حاميات، كما أن نقص الجباية بسبب الثورات يضعف القدرة على إنشاء حملة جديدة. ولذلك انعكس التراجع السياسي على قرى ومدن وجند في مواضع، غير أنه لا يثبت تراجعا اقتصاديا شاملا في كل الأندلس، لأن بعض الأسواق والمناطق بقيت عامرة، وبعض التجارة استمرت، وبعض المدن استفادت من استقلال قياداتها.

وكانت القرى تتحمل أثر الحروب حين تمر الجيوش أو تصادر الماشية والغلال أو تنقطع الطرق، كما تتأثر الزراعة إذا غاب الأمان أو خرج الفلاحون من الأرض، وكانت المدينة تعاني حين تتعطل الأسواق أو تتعدد الجبايات. وفي المقابل قد يفرض القائد المحلي حماية على قر ية و يؤمن سوقا ليحصل على المال، ولذلك كان السكان يوازنون بين أداء المال لقرطبة أو لقائد محلي وبين خطر القتال، ولم تكن مواقفهم واحدة.

وكانت الجبهة الشمالية في عهد عبد الله أقل انتظاما من عهود القوة المركز ية، فاستمرت الغارات والهدن مع ممالك الشمال والباسك والفرنجة، كما بقيت الحصون والثغور تعمل بدرجات مختلفة من الاستقلال، وكان القائد المحلي قد يعقد اتفاقا لا تملك قرطبة إلغاءه بسهولة. ولذلك تراجع تدخل المركز في بعض الممرات، دون أن يعني ذلك زوال كل الحاميات أو توقف الحملات.