وكان عبد الله بن محمد قد تولى بعد أخيه سنة 275ه888/م، فدخلت الإمارة في مرحلة طويلة من الحكم، لكنها كانت من أشد مراحلها اضطرابا، لأن المركز واجه في وقت واحد ثورة عمر، وثورات المدن، وصعود الأسر المحلية، وضغط الثغور الشمالية، وتراجع موارد الجباية. وكانت البيعة في قرطبة ممكنة، غير أن القدرة على تنفيذ القرار خارج العاصمة أصبحت متفاوتة، فلم يكن ضعف المركز انهيارا كاملا في كل الأقاليم منذ اليوم الأول، بل تدرجا في تقلص النفوذ.
وكان عبد الله يملك القصر والديوان والجيش والشرطة والقدرة على إرسال الحملات، كما بقيت له طاعة مدن وحاميات وولاة، غير أن إرسال الجيش إلى الجنوب يترك الثغور أو المدن الأخرى عرضة للاضطراب، وأن إخضاع مدينة لا يعني بقاءها مطيعة بعد عودة الجيش. ولذلك واجه الأمير مشكلة توز يع القوة، فكل حملة تحقق نجاحا في ناحية قد تفتح فراغا في ناحية ثانية.
وكان عمر بن حفصون قد وجد في وفاة المنذر وضعف الانتقال فرصة لتثبيت موقعه، فوس ع شبكة تحالفاته في الجبال والقرى، وارتبط بقادة مولدين وببعض البربر والمسيحيين، كما استفاد من استياء الأسر المحلية ومن الخلاف بين الولاة. ولم يكن كل من انضم إليه تابعا لعقيدة أو نسب واحد، بل كان منهم من طلب حماية أو عطاء أو ثأرا أو نفوذا، ولذلك بقي التحالف متغيرا بحسب الحملات والهدن.