ثم توفي وانتقلت البيعة إلى المنذر، فدخلت الدولة مرحلة ستشتد فيها مواجهة عمر بن حفصون وتوترات الجنوب.
وكان المنذر بن محمد قد تولى الإمارة بعد وفاة أبيه سنة 273ه886/م، وكان قد عرف الحرب والقيادة قبل توليه، لأن ولايته لم تبدأ من مجلس القصر وحده، بل من ميدان الثغور والجنوب، فكان انتقاله إلى الحكم انتقال قائد يعرف الجيش والطرق والخصوم. وأعلنت بيعته في قرطبة، ثم احتاجت البيعة إلى تثبيت عند الولاة والقادة، لأن الدولةكانت تواجه اضطرابا متزايدا في الجنوب، وكان عمر بن حفصون قد تحول من زعيم محلي إلى خصم يصعب تجاهله.
وكان المنذر يرى أن ترك ببشتر من غير ضغط يتيح لعمر توسيع نفوذه، كما أن بقاء الحصن خارج الطاعة يشجع أسرا أخرى على الامتناع عن الجباية أو مبايعة قرطبة، ولذلك جعل حملة الجنوب من أولو ياته. فجمع الجند وأعد المؤن وأرسل القادة، ثم اتجه إلى منطقة ببشتر، وكانت الحملة في ظاهرها لإخضاع حصن، لكنها في حقيقتها اختبار لقدرة الإمارة على استعادة هيبتها في الجبال.
وكانت ببشتر قد استفادت من التضاريس والقرى والطرق الوعرة، فاحتاج الجيش الأموي إلى التحرك بين الممرات وتأمين المؤن ومراقبة مخارج الحصن، كما كان عمر يعتمد على معرفة أهل المنطقة وعلى رجال يستطيعون القتال في الجبل ثم الانسحاب إلى مواضع محصنة. وكانت الحملة تتطلب وقتا أطول من حملة على مدينة مفتوحة، ولذلك ارتبط نجاحها بقدرة المنذر على إبقاء الجيش حول الحصن وعلى قطع الصلات بين عمر وأنصاره.