معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 720 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 720

الأوسط، لأن المسجد والقصر والحدائق شهدت طبقات بناء متتابعة، ولذلك يفرق بين منشأة بدأها الداخل وما أضافه عبد الرحمن وما اكتمل في عهود لاحقة.

وكان المسجد الجامع مركزا للصلاة والتعليم وإعلان حضور الإمارة، وكانت توسعته أو إصلاحه تحتاج إلى مال وعمال ومواد، كما كان القصر والحدائق يبرزان مكانة الدولة، وكانت الجسور والطرق تسهل نقل الجند والسلع. ولذلك لم يكن العمران زينة منفصلة، بل أداة للإدارة والعبادة والاقتصاد، كما أن اتساعه يدل على موارد الدولة وقدرتها على توجيه المال خارج الحملات.

وكان عبد الرحمن قد حكم أكثر من ثلاثة عقود، فانتقل في عهده الحكم من مرحلة تثبيت الإمارة إلى مرحلة مركز ية أوضح في الديوان والجيش والثغور، كما أصبحت قرطبة أكثر اتصالا بالحركة العلمية والثقافية، وواجهت الإمارة في الوقت نفسه ثورات داخلية وخطرا بحريا وممالك شمالية. ولذلك كان ازدهار عهده مرك اب من قوة مالية وعسكر ية وعمرانية، لا من غياب الاضطراب.

وكان مرض عبد الرحمن في أواخر عهده ثم وفاته سنة 238ه852/م، فانتقلت البيعة إلى ابنه محمد بن عبد الرحمن، وكانت الأسرة والجيش والولاة قد اعتادوا نظاما أكثر مركز ية، لكن انتقال الحكم ظل يحتاج إلى تثبيت، لأن الثغور والثورات وذكر يات الربض لم تختف. وورث محمد دولة واسعة الموارد، لكنها ورثت كذلك خصوما محليين ومشكلات جباية وحدودا بحر ية وشمالية، فبدأ عهده من نتائج ما بناه أبوه وما لم يحسمه.