حركة بعصبية أو مذهب واحد، بل يذكر العامل المحلي والقبلي والعسكري، كما يفصل بين جماعة تخدم في الجيش وجماعة تثور في حادثة لاحقة.
وكانت علاقة عبد الرحمن بالفقهاء والعلماء جزءا من إدارة المجتمع، فقرطبة أصبحت مركزا للعلم والفتوى والقضاء، وكان الأمير يحتاج إلى العلماء في التعليم والشرعية، كما كان للفقهاء أثر في الأسواق والأحياء وفي تقييم أعمال الولاة، وتختلف الأخبار في مقدار قربهم من القصر. ولذلك لا ترد حركة العلم إلى رعاية الأمير وحدها، ولا تنسب إليهكل ازدهار ثقافي، بل يذكر ما تضافر فيه القصر والمدينة والرحلة العلمية وتطور مؤسسات التعليم.
وكان زر ياب من أشهر الوافدين إلى قرطبة في هذا العصر، وقد ارتبط اسمه بالموسيقى والآداب والذوق والملبس وآداب الطعام، كما اتسعت حوله روايات أدبيةكثيرة، فلابد من التمييز بين أصل وصوله ونشاطه وبين التفاصيل التي أضافتها الذاكرة اللاحقة. وكان حضور زر ياب يدل على اتصال الأندلس بالمشرق والمغرب وبشبكات البلاط، لكنه لا يفسر وحده الحركة الثقافية، لأن الكتاب والفقهاء والأطباء والمترجمين وأهل الصناعات شاركوا في تشكيلها.
وكان الطب والعلوم والأدب والموسيقى تتحرك في قرطبة والمدن الكبرى، كما كانت الرسائل والرحلات تنقل الكتب والأخبار، وارتبطت الثقافة بالحاجات العملية للقصر والجيش والطبابة والقضاء، غير أن بعض الروايات الأدبية تضخم مجلس الأمير أو تنسب إلى شخص واحد نتائج مجتمع كامل. ولذلك يعرض النشاط الثقافي في سياقه، ويثبت التواريخ والأسماء حيث تتقارب الروايات، و يفصل الخبر الأدبي عن التقرير السياسي.