معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 708 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 708

وكانت طليطلة من أكثر المدن قابلية للاضطراب، لأن بعدها عن قرطبة وقوة نخبها وتار يخها العسكري جعلت إخضاعها يحتاج إلى حملة وإدارة وحامية، كما أن الحكم لم يستطع أن يتركها لقائد محلي لا يراقبه. وقد اختلفت الثورات التي وقعت فيها في القادة والدوافع، فبعضها اتصل بأهل المدينة وبعضها بالأسرة الفهر ية أو بقوى خارجية، ولذلك لا يجمعها في حركة واحدة، ولا يجعل كل توتر فيها بربريا أو قبليا.

وكانت سرقسطة والثغر الأعلى يفرضان على الحكم متابعة خاصة، فالقائد هناك يستطيع استعمال الحصون والطرق والبعد عن قرطبة، كما يمكنه الاتصال بالباسك أو بالفرنجة أو بزعماء الشمال، وكانت الحملة على الثغر تحتاج إلى مؤن وجند وهدن، ولذلك تفاوتت السيطرة من مدينة إلى أخرى. وكان الحكم يعين الولاة أو يبدلهم، و يعيد توز يع الحاميات، ويستعمل الصلح إذا حفظ الطاعة، غير أن استقلال زعماء الثغور ظل مشكلة مستمرة.

وكانت ماردة وإشبيلية وقرمونة من المدن التي يتصل اضطرابها بالمال والطرق والأعيان، فالمتمرد فيها يستطيع قطع موارد أو تهديد الطريق إلى قرطبة، كما أن انتقال الخبر بين المدن قد يشجع على التمرد، ولذلك كانت الحملة على ناحية لا تعني انتهاء الخطر في سائر النواحي. وكان الحكم يستعمل القمع في موضع يرى فيه خطرا مباشرا، ويستعمل العفو أو تعيين قائد جديد في موضع آخر، كما كان يراقب القيسية واليمنية والبربر والموالي وأهل البلاد دون اعتبارهم جماعات ثابتة.