الأدلة الأثر ية عند تحديد طبقات البناء، ولا ينسب إلى الأمير كل ما اشتهرت به قرطبة في عصر الخلافة.
وكان المسجد الجامع مركزا للعبادة والتعليم وإعلان حضور الدولة، كما كان القصر ودار الإمارة مركزا للقرار، وتساعد الأسواق والطرق على تمو يل الجيش وربط العاصمة بالأقاليم، ولذلك كان العمران جزءا من تثبيت الحكم لا زينة منفصلة عنه. وكان استمرار البناء يحتاج إلى مال وأمن وعمال، كما أن الحملات والثورات قد تؤخره أو توجه الموارد إلى الحاميات، فكان ما أنجز في عهد هشام مرتبطا بقدرة الدولة على الموازنة بين الدفاع والعمران.
وكان هشام قد حكم نحو ثماني سنوات، وهي مدة قصيرة إذا قيست بمدة حكم أبيه، لكنها كانت كافية لتظهر فيها قدرة الإمارة على الانتقال من مؤسس قوي إلى وارث يحافظ على النظام، كما كانت كافية لاستمرار الثورات والحملات التي لم تنته في عهد الداخل. وقد اختلفت الأخبار في مقدار استقلال هشام وفي درجة تأثير رجال البيت، غير أن بقاء الإمارة وانتقالها بعد وفاته يدل على أن مؤسساتها لم تعد متوقفة على شخصية المؤسس وحدها.
وكان مرض هشام في أواخر عهده ثم وفاته سنة 180ه796/م تقريبا، فاستدعى ذلك ترتيب البيعة لابنه الحكم، وكان الحكم ما يزال شابا، ولذلك احتاجت الأسرة والجيش والولاة إلى تثبيت انتقال جديد، كما ظهر دور الأعمام ورجال الدولة في حماية البيعة أو التأثير فيها. ولا تدخل ثورة الربض أو صراع الحكم مع عمه في تفاصيل هذه المهمة إلا بقدر ما يوضح أن انتقال السلطة لم يكن بلا مخاطر، إذ ستظهر تلك الأحداث في عهد الحكم مستقلة.