تعيين قائد منتصر على ناحية يمنحه نفوذا قد يصبح خطرا، ولذلك كانت الحملات لا تنتهي بمجرد النصر، بل تتبعها إعادة تنظيم الحامية والولاية. وقد يؤدي العفو إلى تهدئة جيل، كما قد يؤدي القمع إلى ثأر جديد، فكان القرار متعلقا بمقدار الخطر وبإمكان ضبط المنطقة بعد الحرب.
وكانت الحملات الشمالية في عهد هشام جزءا من حماية الإمارة وإظهار قدرتها على الهجوم، فخرجت الجيوش إلى مناطق الممالك المسيحية في الشمال، وعادت بالغنائم أو فرضت ضغطا أو أعادت تأمين الثغور بحسب ما تثبته الأخبار، غير أن الأوصاف الحماسية قد تجمع حملات عهود مختلفة. ولذلك تفرق الرواية بين الغارات المنسوبة إلى هشام وبين حملات الحكم بن هشام وعبد الرحمن الثاني، ولا تثبت نتيجة سياسية كبرى لكل غارة.
وكانت الغارة في ذلك العصر تؤدي وظائف متعددة، فهي تضغط على الخصم وتمنع تجمعه، وتوفر الغنيمة للجند، وتظهر للأقاليم أن الأمير قادر على حماية الحدود، كما قد تكون ردا على هجوم أو خرق هدنة. ولم تكن كل حملة تهدف إلى احتلال أرض دائمة، لأن نقل الحامية والمؤن إلى الشمال يحتاج إلى موارد كبيرة، ولذلك تذكر المسير والقتال والغنائم والرجوع بقدر ما تثبته المصادر، ولا تحول الغارة إلى فتح مستمر.
وكانت علاقة هشام بالممالك المسيحية الشمالية قائمة على الحرب والهدنة والرسائل، كما كان القادة المحليون في الجبال والحدود يقررون أحيانا الصلح أو الغارة بحسب مصلحتهم، ولذلك لا تختزل الجبهة الشمالية في طرفين ثابتين. وكانت الباسك والممرات البرينية والفرنجة عوامل