معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 70 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 70

وتذكر الروايات أن المسلمين حاصروا بهرسير، وأن قسما من سكانها أو الفلاحين دخل في الصلح، بينما تحصنت القوة المدافعة أو انسحبت إلى الضفة الأخرى، وتختلف الأخبار في مدة الحصار وفي تفاصيل المنجنيق والسفن والمفاوضات. كما تروي أن المدافعين قطعوا الجسر أو سحبوا المراكب، وأن دجلة كان عميقا أو مضطربا، فصار عبوره قرارا عسكريا شديد المخاطرة، ولا تثبت كل الأرقام التي تذكر عدد العابرين أو مقدار قوة الحامية.

وعند الوصول إلى ضفة دجلة ظهرت قطسيفون والإيوان في الجهة الأخرى، فكانت المشاهدة رمزا من رموز الملك الساساني، وكانت نفسها تحمل معنى سياسيا وعسكريا؛ إذ كان الإيوان ز المدائن مركزا للحكم والمال والوثائق، ولذلك ارتبط دخولها في الذاكرة الإسلامية بسقوط مركز الإمبراطور ية لا بانتهاء كل المقاومة. وتذكر رواية مشهورة أن سعد بن أبي وقاص قرر العبور، وأن سرايا من الفرسان سبقت الجيش أو فتحت الطريق، ثم عبرت القوات تباعا، غير أن أسماء الطليعة وعددها وطريقة العبور تختلف في الأخبار.

وتروي المصادر عبور المسلمين دجلة بالخيول، وهو خبر اشتهر في كتب الفتوح، كما تروي تكبير الجيش واضطراب الفرس وانسحابهم، لكن الوصف العسكري التفصيلي يحتاج إلى الحذر، لأن الأنهار تتغير مناسيبها، ولأن الروايات المتأخرة قد صاغت الحدث في صورة استثنائية. لذلك يثبت السرد وقوع عبور عسكري لدجلة ووصول الجيش إلى المدائن، مع تسجيل اختلاف كيفية العبور وعدم تحو يل القصة إلى معجزة أو رقم قطعي لا يثبته المصدر.