معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 697 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 697

الثغر تدر يجيا ومتفاوتا، فبعض المواضع يطيع قرطبة طاعة عملية، وبعضها يكتفي بالبيعة، وبعضها يخرج عند أول ضعف في المركز.

وكان توز يع الجند في الثغر الأعلى مرتبطا بحماية الحدود وبالحرب الداخلية، فالحامية تحتاج إلى مقاتلين دائمين، والحملة تحتاج إلى رجال يأتون من قرطبة أو من المدن القريبة، كما أن بعض القبائل تستقر في مواضعها وتدافع عنها مقابل عطاء أو أرض. وكان الأمير يحاول منع القائد المحلي من امتلاك قوة مستقلة، لكنه يحتاج إليه في الوقت نفسه لمعرفة الطرق ومواجهة الباسك والفرنجة، ولذلك بقيت العلاقة قائمة على الثقة المشروطة.

وكانت مقاومة سرقسطة تؤثر في بروز طبقة من زعماء الثغور، إذ يكتسب القائد الذي يحمي المدينة نفوذا لا يساو يه نفوذ عامل في ناحية داخلية، كما يستطيع أن يفاوض قرطبة أو القوى الشمالية، وقد انتقلت بعض الأسر المحلية من خدمة الإمارة إلى التمرد ثم إلى الطاعة بحسب الظروف. وتظهر في مراحل لاحقة أسرة بني قاسي بوصفها من أبرز القوى في المنطقة، غير أن تفصيل صعودها الواسع يترك لبطاقاته الزمنية الخاصة ولا يسقط على عصر الداخل كله.

وكانت نتائج الصراع في الثغر الأعلى تتجاوز سرقسطة نفسها، فإخضاعها يثبت الطريق إلى الشمال، ويمنع اتحاد مدن معارضة، ويمنح قرطبة قدرة على تحر يك الجند، بينما يؤدي فشل الحملة إلى تقو ية القادة المحليين وتشجيع طليطلة وماردة وسائر الثغور. ولذلك كان الداخل يتابع نتيجة كل حملة في ضوء أثرها على الإمارة كلها، لا بوصفها معركة محلية منفصلة.