معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 682 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 682

وكانت إشبيلية وقرمونة تختلفان عن مواضع الشمال، لأنهما أقرب إلى طرق الجنوب وإلى العاصمة، ولأن إشبيلية تملك موارد زراعية وتجار ية واتصالا بالموانئ، فكان العامل أو القائد فيهما يستطيع جمع مال ورجال، كما كان خروج المنطقة عن الطاعة يضغط على قرطبة بسرعة. وقد شارك البربر في بعض الصراعات أو التحالفات، غير أن الوقائع تضمنت أيضا قيسية ويمنية وموالي وأهل البلاد، فلا ينسب كل اضطراب إلى البربر لمجرد حضورهم.

وكان عبد الرحمن الداخل يواجه هذه الحركات بوسائل مختلفة، فأرسل الجيوش إلى المواضع التي لا ينفع معها التفاوض، واستعمل الأمان والعفو عندما رأى أن القتل يفتح ثأرا جديدا، كما أعاد توز يع المناصب والعطاء لاستمالة القادة، وأبقى بعض الجماعات في مواضعها إذا ضمنت الطاعة. ولم تكن سياسته تجاه البربر نسخة من سياسته تجاه القيسية واليمنية، لأن لكل جماعة تاريخا وموقعا ومطالب، ولذلك يميز بين الحملة على حصن بربري وبين التفاوض مع زعيم أو استمالة جند.

وكان بناء الجيش المركزي وسيلة للحد من استقلال القادة المحليين، فاعتمد الداخل على مواليه وعلى جماعات عربية وبربر ية وأندلسية، وجعل العطاء مرتبطا بالمركز، وأرسل القادة من قرطبة بدل أن يترك كل ناحية لقوة لا يمكن مراقبتها. ولم ينجح هذا التنظيم في إلغاء استقلال الأطراف فورا، لكنه جعل العاصمة قادرة على إعادة إرسال الحملات، كما منع بعض القادة من تحو يل الحامية إلى إمارة خاصة.