وكان صراع القيسية واليمنية في الأندلس قد مهد لقيام إمارة عبد الرحمن الداخل بقدر ما أضعف سلطة يوسف الفهري والصميل، فانتقلت المنافسة من طلب الولاية إلى التنافس على البيعة للأمير الجديد، وظل الموالي والبربر وأهل البلاد جزءا من المعادلة، وبقيت الأرض والعطاء والجباية أسبابا للاضطراب، فاستطاع الداخل أن يعيد ترتيب القوى حول قرطبة دون أن ينهي العصبية أو يحول الأندلس في لحظة واحدة إلى مجتمع سياسي متجانس.
وكان البربر من أقدم العناصر التي دخلت في تكوين المجتمع الإسلامي بالأندلس، فقد شاركوا في الفتح واستقروا في مواضع مختلفة من شبه الجزيرة، وتولى بعضهم الحاميات أو خدم في الجيوش، كما ارتبطوا بطرق المغرب وبالممرات التي تصل الساحل بالداخل. ولذلك لا تبدأ قصتهم مع التمرد، ولا يصح أن يوصفوا بأنهم جماعة وافدة لا صلة لها بتأسيس الحكم، بل كانوا جزءا من الجيش والسكان والولايات، ثم اختلفت مواقف جماعاتهم بحسب الظروف.
وكانت الثورة البربر ية الكبرى في المغرب خلال حكم هشام بن عبد الملك قد كشفت أزمة عميقة في العلاقة بين الجند والولاة والسلطة المركز ية، فاشتكى البربر من توز يع المواقع الخطرة ومن التمييز في العطاء ومن سياسات الجباية والاسترقاق بحسب اختلاف الروايات، ثم اتسعت الحركة وارتبطت في بعض مراحلها بشعارات خارجية، وانتهت إلى انهيار جانب كبير من السيطرة الأمو ية في المغرب. ولم تكن آثارها محصورة في إفر يقية، لأن اضطراب الطريق والجيش والولاة انعكس على الأندلس التي كانت متصلة بالمغرب اتصالا بحريا وسياسيا.