إرسال جيش إلى إقليم قد يترك فراغا في إقليم آخر. ولذلك لم يكن ضعف الحكم الفهري مجرد عجز شخصي، بل نتيجة بنية سياسية متنافسة لم تستطع السلطة أن تجمعها طو يلا.
وكان عبد الرحمن الداخل قد أدرك أن القضاء على الانقسام بالقوة وحدها مستحيل، فاستمال جماعات من القيسية واليمنية، وترك لبعض القادة مواضع أو عطاء، واستعمل الموالي في الحرس والإدارة، كما اعتمد على الرجال الذين رافقوه أو سبقوا إلى الأندلس، وبنى جيشا لا يقوم على قبيلة واحدة. وكان يوزع المناصب بحسب الحاجة والثقة، و يحاول منع القائد المنتصر من تكوين دولة داخل الدولة، غير أن هذا التوازن كان يتطلب حملات متكررة ومراقبة دائمة.
وكان الداخل يخاطب القيسية بوصفه أميرا يستطيع أن يمنحهم مكانا دون أن يترك اليمنية، و يخاطب اليمنية بوصفه بديلا عن نفوذ الفهري والصميل، كما يستفيد من الموالي والبربر وأهل الأندلس الذين لا يريدون أن تبقى السلطة محصورة في جماعة عربية معينة. ولم يكن تجاوز الانقسام يعني إلغاؤه، بل يعني إعادة ترتيب مراكز القوة حول الأمير، ولذلك بقيت العصبية حاضرة في الثورات والتحالفات حتى بعد قيام الإمارة.
وكان توز يع المناصب من أدوات الداخل، فالقائد الذي يبايعه قد يعين على ناحية أو يقود حملة، لكن استمرار المنصب يرتبط بالطاعة وعدم جمع المال والسلاح بعيدا عن قرطبة، كما أن العزل كان رسالة إلى سائر القادة بأن الأمير لا يترك الولاية حقا موروثا. وقد أدى ذلك