وكانت الأسواق في قرطبة تتصل بوظيفة العاصمة، فازداد الطلب على الطعام والدواب والسلاح والملابس، كما احتاج الجند والكتاب والوفود إلى أماكن للإقامة والتبادل، وأدى وجود القصر والجامع والديوان إلى جذب الحرفيين والتجار. ولا يعني ذلك أن قرطبة بلغت في عصر الداخل ما بلغته في عصر عبد الرحمن الناصر، لأن الازدهار الكبير الذي تصفه المصادر عن القرن الرابع نتج عن تراكم طو يل وتوسع عمراني لاحق.
وكانت التحصينات جزءا من علاقة العاصمة بالأقاليم، فقرطبة تحتاج إلى أسوار وأبواب ومراقبة للضفاف والطرق، كما تحتاج المدن البعيدة إلى حصون تحميها من الثورات ومن الهجمات الخارجية، ولذلك عمل الأمير أو عماله على تقو ية المواضع الاستراتيجية كلما أثبتت الحرب ضعفها. وتختلف الأخبار في الأبراج والأبواب وما بني في كل سنة، ولذلك يذكر اتجاه التحصين وحماية الطرق، ولا يضع قائمة تفصيلية غير مؤيدة بالمصادر.
وكان الجامع الكبير من أهم رموز تثبيت قرطبة، فبدأ عبد الرحمن الأول بناءه في أواخر عهده أو بعد أن اطمأن إلى قدر من استقرار العاصمة، واختير له موضع داخل المدينة، وتختلف الروايات في تفاصيل ملكية المكان وفي وجود مبنى ديني سابق وفي كيفية شراء ما فيه أو قسمته، غير أن أصل إنشاء المسجد في عهده ثابت في المصادر التار يخية العامة. ثم جاء خلفاء لاحقون فوسعوه وعدلوا أجزاء منه، ولذلك لا يصح وصف صورته الكاملة المعروفة اليوم بأنها عمل الداخل وحده.