وكان بناء الجامع يتصل بالشرعية من جهتين، فصلاة الجمعة فيه تعلن اسم الأمير وتجمع أهل العاصمة، والمسجد نفسه يظهر قدرة الحكم على تنظيم المال والعمال والمواد، كما يصبح مركزا للتعليم والقضاء والفتوى والتجمع العام. ولذلك كان اختيار موضعه وحجمه واتجاهه جزءا من بناء قرطبة الأمو ية، لا مشروعا دينيا معزولا عن السياسة والعمران، مع بقاء التفاصيل الهندسية الأولى موضع مقارنة بين الروايات والآثار.
وكان الجامع في مرحلته الأولى أصغر من صورته بعد التوسعات، فلا تنسب إليهكل الأروقة والمحاريب والقباب والزخارف التي ظهرت في العصور التالية، كما أن الترميمات والتعديلات غيرت ملامح البناء، وتحتاج إعادة بناء مرحلته الأولى إلى الجمع بين خبر المؤرخين والبحث الأثري. ويثبت أن الداخل وضع الأساس الرمزي والعمراني، بينما صنع خلفاؤه من بعده مراحل متتابعة أتمت صورة المسجد الكبرى.
وكانت علاقة قرطبة بإشبيلية وثغرها الجنوبي ضرور ية، لأن إشبيلية تملك موقعا تجاريا وزراعيا واتصالا بالموانئ، كما أن القائد الذي يسيطر عليها يستطيع أن يقطع الطريق على العاصمة أو يمدها بالمؤن، ولذلك كان الداخل يتابع ولاتها و يغيرهم إذا ظهرت منهم منافسة. وكانت قرمونة قريبة من قرطبة ومهمة في حماية الطريق، فكان استقرارها يساعد على حماية العاصمة، بينما كان اضطرابها ينذر بوصول التمرد إلى مجالها المباشر.
وكانت طليطلة تمثل تحديا مختلفا، لبعدها ومكانتها العسكر ية وتقاليدها السياسية، كما أن الطريق إليها يمر بمواضع يمكن أن تنضم إلى الثائرين، ولذلك لم تكن طاعتها مجرد أثر تلقائي لدخول