معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 667 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 667

وكانت الدواوين والكتابة تتشكل بحسب حاجة الإمارة، فاحتاج الأمير إلى ديوان للرسائل يربط قرطبة بالعمال والقادة، وإلى نظام يسجل العطاء والجباية، وإلى كتاب يعرفون العربية وتقاليد الإدارة التي ورثها الأمو يون من الشام، كما احتاج إلى مترجمين أو وسطاء في البيئات المحلية المختلفة. وتختلف الروايات في أسماء الدواوين وفي عدد العاملين فيها، غير أن وجود الكتابة المنظمة تفرضه طبيعة الحكم، بينما تبقى تفاصيل شكل الجهاز ونطاقه موضع احتياط.

وكان القضاء والشرطة يعملان داخل العاصمة وفي الأقاليم بدرجات متفاوتة، فالقاضي يفصل في الخصومات ويثبت العقود وينظر في القضايا الشرعية، وصاحب الشرطة يحفظ الأمن و يلاحق السارقين والمتمردين، والعامل يطبق أوامر الأمير ويجمع المال و يقود الجند عند الحاجة. ولم تكن هذه الوظائف متساو ية في كل مدينة، كما لم تكن سلطة قرطبة تصل إلى كل ناحية بالقوة نفسها، ولذلك يذكر النظام بوصفه شبكة تتوسع مع نجاح الحملات لا مؤسسة مركز ية مكتملة منذ البداية.

وكان الجيش هو الضامن الفعلي لتحو يل قرطبة إلى عاصمة، لأن المدينة لا تستطيع أن تأمر إشبيلية أو طليطلة أو سرقسطة دون قوة تحمي رسولها وترد الخارجين عليها، ولذلك نظم الداخل جنده حول موالي بني أمية والعرب القيسية واليمنية والبربر وأهل الأندلس، كما اعتمد على قادة يربط بينهم العطاء والولاء والحاجة إلى الأمن. وكانت القوات تنقسم عمليا بين حرس العاصمة وجند الحملات وحاميات الثغور، غير أن الحدود بين هذه الفئات لم تكن ثابتة دائما.