معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 666 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 666

وكان اختيار قرطبة عاصمة للإمارة مرتبطا بموقعها على الوادي الكبير وبما كان لها من وزن إداري وعسكري قبل وصول الداخل، كما أن قربها من طرق الجنوب والوسط جعلها أصلح لإدارة الحركة بين الأقاليم من مدن ساحلية أو ثغور بعيدة. ولم يكن اختيارها قرارا عمرانيا مجردا، بل كان قرارا عسكريا وسياسيا، لأن الأمير أراد مركزا يستطيع منه مراقبة الطرق وتلقي البيعات وإرسال الجند، ثم أخذت المدينة تنمو بقدر ما استقرت السلطة حولها.

وكانت قرطبة بعد دخول الداخل تحتاج إلى الانتقال من مدينة يسيطر عليها جيش منتصر إلى عاصمة تصدر منها الأوامر، فاستقر الأمير في دار الإمارة أو القصر، وأصبح المكان مجالا للوفود والكتابة وتدبير العطاء والحكم في الخصومات، كما ارتبط بالقوات التي تحرسه وبالطرق المؤدية إلى الجامع والأسواق. وتختلف الأخبار في شكل القصر ومبانيه الأولى، لأن المصادر اللاحقة أسقطت أحيانا صورة القصر الأموي المتكامل على القرن الثاني، ولذلك يثبت أصل دار الإمارة ووظيفتها دون نسبة كل الأبنية اللاحقة إلى الداخل.

وكان الحرس جزءا من بناء السلطة، لأن الأمير الذي جاء من خارج الأندلس لا يستطيع أن يعتمد على جماعة واحدة من الجند المحليين، فاختار رجالا يثق بهم من موالي بني أمية ومن رفاقه ومن العناصر التي ارتبطت به في المعارك، كما أبقى أبواب القصر والمدينة والجامع تحت مراقبة، وكان الحرس يحمي الأمير و يؤمن انتقاله ويمنع الخصوم من مفاجأته. ولا تثبت الأعداد التي تذكرها بعض الأخبار بلا تحديد، كما لا يصح وصف الحرس اللاحق بأنه كان موجودا بكل ترتيبه منذ سنة 756م.