معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 665 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 665

وكانت الإمارة العباسية في العراق مثالا منافسا، إذ تملك بغداد أو مراكز العراق وجيش خراسان والدواوين والمال، بينما كانت إمارة قرطبة تسعى إلى تثبيت استقلالها في أقصى الغرب الإسلامي، كما بقيت بقايا القوى الأمو ية في المغرب مجالا للمقارنة والتحالف. ولم يكن التنافس بين قرطبة وبغداد في هذه المرحلة حربا مباشرة مستمرة، بل كان تنافسا على الشرعية والبيعة والرمز وعلى حق كل مركز في مخاطبة المسلمين.

وكان عبد الرحمن الداخل خلال حكمه الممتد من 756م إلى 788م يواجه تحديات متوالية، فلم يكن عمله ينتهي بإعلان الإمارة، بل كان عليه أن يسافر أو يرسل القادة إلى المدن، وأن يتعامل مع الثورات والانشقاقات، وأن يعيد المال والجند إلى مركزه بعد كل حملة. ولذلك يذكر قيام الإمارة بوصفه بناء ء تدر يجيا، لا لحظة مكتملة، كما يترك تفصيل كل ثورة ووال للمهمة التي خصصت له.

وكان قيام الإمارة الأمو ية في قرطبة قد جمع بين استمرار ية أمو ية موروثة من دمشق وتعديل أندلسي فرضته الجغرافيا والانقسامات المحلية، فاختار الداخل قرطبة مركزا، وبنى القصر والجامع والديوان والحرس، ونظم الجند والجباية والولايات، واستعمل الموالي والعرب والبربر بدرجات مختلفة، وواجه طليطلة وسرقسطة وإشبيلية وقرمونة والثغور والتمردات القيسية واليمنية، وبدأ مشروع العمران والجامع، وبذلك تحولت البيعة الأولى إلى دولة تحتاج إلى تثبيت متواصل، لا إلى سلطة تامة في كل الأندلس منذ يومها الأول.