ولم تترك الشام بعد انحسار الوباء بلا تنظيم، بل اضطرت الخلافة إلى إعادة بناء القيادة على مراحل، لأن وفاة أبي عبيدة ومعاذ وشرحبيل ويزيد أفرغت مواقع كانت تجمع بين الولاية العسكر ية والقدرة على إدارة المدن والقبائل. وتختلف الأخبار في حدود كل تعيين، فتذكر بعضها أن يزيد بن أبي سفيان تولى جانبا من الشام، ثم توفي في سياق الوباء، فعين عمر أخاه معاو ية، بينما تجعل روايات أخرى لعمرو بن العاص دورا مؤقتا في إدارة الناس بعد وفاة معاذ أو في معالجة الوباء، ولذلك لا يصح القول إن الشام كلها انتقلت إلى رجل واحد في لحظة واحدة.
وكانت دمشق والأردن وفلسطين وحمص وقنسرين أقاليم ذات وظائف مختلفة، ولم يكن لفظ الشام يدل في كل رواية على وحدة إدار ية مكتملة الحدود كما عرفت لاحقا. فكان تعيين وال على دمشق لا يساوي بالضرورة تعيينه على كل الأجناد، كما أن قيادة الجند في حملة لا تعني امتلاك الولاية المالية والقضائية في المدن، ولذلك أعادت الخلافة توز يع المسؤوليات بين الولاة والقادة والعمال، مع إبقاء الطرق والثغور والمرابط تحت مراقبة مباشرة.
وأسهم هذا التنظيم في بروز معاو ية داخل بنية الحكم الشامي، لا لأن الوباء وحده أنشأ نفوذه، بل لأن عامل القرابة والخبرة السابقة وشبكات الجند والسكان والحاجة إلى قائد مستقر اجتمعت بعد فقد كبار القادة. وتبلورت صورة الأجناد الشامية في مراحل لاحقة، فلا يجوز إسقاط التقسيم الإداري الأموي المكتمل على سنة الطاعون نفسها، كما لا يصح اختزال صعود معاو ية في قرار منفرد دون ذكر إعادة بناء الجيش والجباية والطرق وحماية المدن.