تاريخ الدولة الأمو ية في الأندلس بوصفها دولة مستقلة عن العباسيين، لا مجرد بقايا هاربة من دمشق.
وكان إعلان الإمارة الأمو ية في قرطبة يقوم على معنى سياسي محدد، فعبد الرحمن لم يعلن نفسه خليفة للمسلمين كلهم، ولم يدخل في طاعة العباسيين، بل أقام إمارة مستقلة تستمد قوتها من نسبه الأموي ومن البيعة التي أخذها في الأندلس ومن قدرته على حماية البلاد وتوز يع العطاء، وبقيت الخلافة العباسية في المشرق حاضرة في الوعي السياسي العام دون أن تكون صاحبة أمر نافذ في قرطبة. وكان هذا الاستقلال نتيجة سقوط مركز دمشق وتباعد الأندلس عن العراق، كما كان إعلانا بأن النسب المرواني يمكن أن يستمر في صورة دولة جديدة.
وكانت قرطبة قبل ذلك مركزا مهما من مراكز الأندلس، غير أن اتخاذها عاصمة جعل وظائفها تتوسع، فصار القصر موضع إقامة الأمير ومجال استقبال الوفود وإصدار الأوامر، وصار الجامع موضع صلاة الجمعة وإظهار البيعة، كما نشطت الدواوين والكتابة والجباية والحرس، ولم يحدث هذا التحول دفعة واحدة، لأن الإمارة الأولى كانت لا تزال محاطة بخصوم وأقاليم لا تطيعها. ولذلك يميز بين قرطبة التي اختارها عبد الرحمن مركزا لحكمه وبين المنشآت التي أضافها خلفاؤه أو وسعوها في عصور لاحقة.
وكان القصر يمثل مركز القرار، غير أن الإدارة لم تكن جهازا مكتملا على صورة العصور التالية، فاحتاج الأمير إلى رجال يعرفون أحوال البلاد وطرق جبايتها وقيادة جندها، كما أبقى أو أعاد استعمال بعض الكتاب والعمال الذين يستطيعون تسيير الأمور، واستبدل آخرين