وكان عبور مصر ضرورة في مسار الفرار، لأن البلاد تقع بين الشام وإفر يقية وتملك طرقا بر ية و بحر ية ومراكز جند، كما أنها كانت في تلك السنوات جزءا من المجال الذي تسعى السلطة العباسية إلى إحكامه، ولذلك كان المرور فيها محفوفا بالمخاطر. وتذكر الأخبار انتقاله فيها من موضع إلى موضع، واختلاف الرواة في أسماء من آواه ومن دل عليه، إلا أن اتجاه الرحلة غربا بعد تجاوز الشام ومصر هو الثابت.
وكان دخول عبد الرحمن إفر يقية يعني انتقاله إلى إقليم لم يكن هادئا ولا خاضعا لسلطة واحدة، فكانت فيه بقايا نفوذ أموي وصراعات عربية وبربر ية ومنافسة بين الولاة والبيوت المحلية، كما كان واليها عبد الرحمن بن حبيب يراقب الوافدين و يخشى من ظهور أمير أموي ينافسه. ولذلك لم تكن إفر يقية مأمنا نهائيا، بل كانت مرحلة جديدة من التفاوض والاختفاء وطلب الحلفاء.
وكان اتصال عبد الرحمن بالبربر من العوامل التي يسرت نجاته، إذ ارتبط بأناس من جهة أمه أو بعلاقات سياسية نشأت في المغرب، غير أن هذه الصلة لا تختصر كل تحالفاته، لأن القبائل لم تكن جماعة واحدة ذات قرار واحد، كما أن بعض زعمائها رأى في الأمير الأموي فرصة لمقاومة نفوذ الوالي أو لموازنة القبائل العربية. ولذلك يذكر دور البربر في صورة شبكة من الحماية والاتصال والمصلحة، ولا يحول إلى حكاية نسبية مبسطة.
وكان عبد الرحمن بن حبيب يخشى أن يؤدي بقاء الأمير في إفر يقية إلى قيام ولاء أموي حوله، فكان موقفه من عبد الرحمن يتأرجح بحسب ما بلغه من قوته ومن أخبار أنصاره، كما